مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
221
تفسير مقتنيات الدرر
لها قوّتان نظريّة وعمليّة والنظريّة كما لها من معرفة الأشياء معرفة اللَّه ، والعمليّة كما لها العمل بخدمة اللَّه من الطاعات والعبادات أي صدقوا بقلوبهم بقوّة النظر وحقّقوا الإيمان بعمل الجوارح ، فشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة وشغلوا جوارحهم بالخدمة والعبادة فعينهم مشغولة باعتبار كما قال : « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصارِ » « 1 » وإذنهم بسماع كلام اللَّه كما قال : « وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ » « 2 » ولسانهم مشغول بذكر اللَّه كما قال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّه َ » « 3 » وجوارحهم مشغولة بطاعة اللَّه كما قال : « أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّه ِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ » « 4 » . ولمّا بيّن مقامهم ذكر درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم قوله : [ ليهديهم ربّهم إلى الجنة ] ثوابا لهم والَّذي يدلّ على هذا المعنى قوله : « يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ » « 5 » وما روي أنّه عليه السّلام قال : إنّ المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة ، فيقول له : أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنّة والكافر كذلك إلى الجحيم ، والعمل الصالح عبارة عن العمل الَّذي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة والعمل المذموم بخلافه وكلَّما كان العمل أكمل كان النور والهداية أكمل . قوله : * ( [ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ ] ) * المراد أنّهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم ونظيره قوله تعالى : « قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا » « 6 » كالجدول وكذلك قوله : « وَهذِه ِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي » « 7 » المعنى بين يديّ وإلَّا لا يقعد الإنسان على النهر الجاري أي تجري الأنهار بين أيديهم ومن تحت اسرتهم وقصورهم .
--> ( 1 ) الحشر : 2 . ( 2 ) المائدة : 76 . ( 3 ) الأحزاب : 41 . ( 4 ) النمل : 25 . ( 5 ) الحديد : 12 . ( 6 ) مريم : 24 . ( 7 ) الزخرف : 50 .